فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد ، وإلى أنه رسول مبين من عند الله ، وإلى أن القول بالقيامة حق ، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله ، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين الأول : ليصير ذلك حاملاً لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني : ليصير ذلك رادعاً للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعياً إلى قبول الإيمان ، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث ، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار ، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولاً ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب ، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم ، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب ، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي ، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه ، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم . أما قوله : * ( قل إنما أنا منذر ) * يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد ، وأحوال ثواب من أقربها ، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً ) * ( ص : 5 ) فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال : * ( وما من إله إلا الله الواحد القهار ) * وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهاً عن الشريك والنظير ، وبيانه أن الذي يجعل شريكاً له في الإلهية ، إما أن يكون موجوداً قادراً على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك ، بل يكون جماداً عاجزاً والأول : باطل لأنه لو كان شريكه قادراً على الإطلاق لم يكن هو قادراً قاهراً ، لأن بتقدير أن يريد هو شيئاً ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر ، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر ، وحينئذ لا يكون قادراً قاهراً بل كان عاجزاً ضعيفاً ، والعاجز لا يصلح للإلهية ، فقوله : * ( لا الله الواحد القهار ) * إشارة إلى أن كونه قهاراً يدل على كونه واحداً وأما الثاني : وهو أن يقال إن الذي جعل شريكاً له لا يقدر على شيء البتة مثل هذه الأوثان ، فهذا أيضاً فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فقوله : * ( وما من إله إلا الله الواحد القهار ) * يدل على هذه الدلائل ، واعلم أن كونه سبحانه قهاراً مشعر بالترهيب والتخويف ، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال : * ( رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ) * فكونه رباً مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود ، وكونه غفاراً مشعر بالترغيب ، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته ، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه .